ابن قيم الجوزية
453
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
فإيجاد السبب خير . وهو إلى اللّه . وإعداده خير . وهو إليه أيضا . وإمداده خير . وهو إليه أيضا . فإذا لم يحدث فيه إعداد ولا إمداد حصل فيه الشر بسبب هذا العدم الذي ليس إلى الفاعل . وإنما إليه ضده . فإن قلت : فهلا أمدّه إذ أوجده ؟ قلت : ما اقتضت الحكمة إيجاده وإمداده . فإنه - سبحانه - يوجده ، ويمدّه . وما اقتضت الحكمة إيجاده وترك إمداده : أوجده بحكمته ولم يمده بحكمته . فإيجاده خير . والشر وقع من عدم إمداده . فإن قلت : فهلّا أمدّ الموجودات كلها ؟ . قلت : فهذا سؤال فاسد ، يظن مورده أن التسوية بين الموجودات أبلغ في الحكمة . وهذا عين الجهل ، بل الحكمة كل الحكمة : في هذا التفاوت العظيم الواقع بينها . وليس في خلق كل نوع منها تفاوت . فكل نوع منها ليس في خلقه من تفاوت . والتفاوت إنما وقع بأمور عدمية ، لم يتعلق بها الخلق ، وإلا فليس في الخلق من تفاوت . فإن اعتاص ذلك عليك ، ولم تفهمه حق الفهم . فراجع قول القائل : إذا لم تستطع شيئا فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع كما ذكر : أن الأصمعيّ اجتمع بالخليل بن أحمد . وحرص على فهم العروض منه : فأعياه ذلك ، فقال له الخليل يوما : قطّع لي هذا البيت . وأنشده : « إذا لم تستطع شيئا - البيت » ففهم ما أراد . فأمسك عنه ولم يشتغل به . وسر المسألة : أن الرضى باللّه يستلزم الرضى بصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه . ولا يستلزم الرضى بمفعولاته كلها . بل حقيقة العبودية : أن يوافقه عبده في رضاه وسخطه . فيرضى منها بما يرضى به . ويسخط منها ما سخطه . فإن قيل : فهو سبحانه يرضى عقوبة من يستحق العقوبة . فكيف يمكن العبد أن يرضى بعقوبته له ؟ . قيل : لو وافقه في رضاه بعقوبته لانقلبت لذة وسرورا . ولكن لا يقع منه ذلك . فإنه لم يوافقه في محبته وطاعته ، التي هي سرور النفس ، وقرة العين ، وحياة القلب . فكيف يوافقه في محبته للعقوبة ، التي هي أكره شيء إليه ، وأشق شيء عليه ؟ بل كان كارها لما يحبه من طاعته وتوحيده . فلا يكون راضيا بما يختاره من عقوبته . ولو قبل ذلك لارتفعت عنه العقوبة . فإن قلت : فكيف يجتمع الرضى بالقضاء الذي يكرهه العبد - من المرض والفقر والألم - مع كراهته ؟ . قلت : لا تنافي في ذلك . فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب ، ويكرهه من جهة تألمه به ، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه . فإنه يجتمع فيه رضاه به ، وكراهته له . فإن قلت : كيف يرضى لعبده شيئا ، ولا يعينه عليه ؟ . قلت : لأن إعانته عليه قد تستلزم فوات محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي